محمد أبو زهرة
1627
زهرة التفاسير
الآباء إذا افترقوا عنها ، فكما أن الرجل لا يحل له أن يرث حق تزويج زوجة أصله كذلك لا يحل له أن يتزوجها . وقد ابتدأ بهذا النوع من التحريم لتناسبه مع منع ميراث حق التزويج للنساء . ولذلك قال سبحانه : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ . كان فاشيا بين العرب في الجاهلية أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا مات عنها أبوه ، وكان ذلك يؤدى إلى منعها من حرية الاختيار في الزواج ، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك في الماضي من الآيات الكريمات ، وهنا يمنع تزوج الولد ممن كانت زوجة أبيه ، بل ممن كانت زوجة آبائه على وجه العموم ؛ وذلك لأن كلمة « آباؤُكُمْ » تشمل كل الأصول من الرجال أي تشمل الأجداد جميعا سواء كانوا من جهة أبيه أم كانوا من جهة أمه ، وذلك من قبيل الإطلاق المجازى . والنكاح هو عقد الزواج ، وهو لا يستعمل في القرآن إلا على الزواج ، وقد يطلق على المباشرة نفسها ، ولكنه لم يطلق في القرآن إلا على العقد ، ولذلك قال الشافعي وكثيرون من الفقهاء ، إن النكاح حقيقة في العقد ، وإذا أريد به المباشرة كان ذلك مجازا من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب ، وذلك أنه لا يكون إلا في المباشرة الحلال ، والحنفية قالوا إنه حقيقة في المباشرة مجاز في العقد . والذي يتفق مع تعبير القرآن هو رأى الشافعي . ولما كان ذلك النوع من الزواج كثيرا في الجاهلية ، وربما وقع فيه بعض المؤمنين في الجاهلية قبل الإسلام ، أشار سبحانه إلى أن ما كان في الجاهلية هو موضع عفو لا يعاقب الله تعالى عليه ، ولذا قال سبحانه : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي أنكم لا تؤاخذون على ما قد مضى منكم في الجاهلية ، والاستثناء هنا منقطع ، و « إلا » بمعنى « لكن » ، والمعنى : لكن ما قد سلف لا تؤاخذون عليه ، والله يعفو عنكم ، وهو ينته بهذا التحريم ، فمن كان متزوجا ممن كانت امرأة أبيه ، فإنها حرام عليه من وقت نزول ذلك النص الكريم ، وعفا الله عما سلف ، ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام .